أبو علي سينا
الفن السادس 53
الشفاء ( الطبيعيات )
للمادة إما لأن وجوده مادي ، وإما عارض له ذلك فتنزعه « 1 » عن المادة وعن لواحق المادة معها ، « 2 » وتأخذه « 3 » أخذا مجردا ، حتى يكون مثل الإنسان الذي يقال على « 4 » كثيرين ، وحتى يكون قد أخذ لكثير طبيعة واحدة ، وتفرزه عن كل كم وكيف وأين ووضع مادي . ولو لم تجرده عن ذلك لما صلح أن يقال على الجميع . فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسى ، وإدراك الحاكم الخيالي ، وإدراك الحاكم الوهمي ، وإدراك الحاكم العقلي . « 5 » وإلى « 6 » هذا المعنى كنا نسوق الكلام في هذا الفصل ، فنقول : إن الحاس في قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس هو قبول صورة الشئ مجردة عن مادته فيتصور بها الحاس « 7 » ، فالمبصر هو « 8 » مثل المبصر بالقوة ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ذلك ، والمحسوس الأول بالحقيقة هو الذي يرتسم « 9 » في آلة الحس وإياه يدرك ، ويشبه أن يكون إذا قيل : أحسست الشئ الخارجي كان معناه غير معنى أحسست في النفس ، فإن معنى قوله : أحسست الشئ الخارجي ، أن صورته تمثلت في حسى ، ومعنى أحسست في النفس أن الصورة نفسها تمثلت في حسى . « 10 » فلهذا يصعب إثبات وجود الكيفيات المحسوسة في الأجسام . لكنا نعلم يقينا أن جسمين وأحدهما يتأثر عنه الحس شيئا ، والآخر لا يتأثر عنه ذلك الشئ أنه مختص في ذاته بكيفية هي مبدأ إحالة الحاسة دون الآخر . وأما ديمقريطس « 11 » وطائفة من الطبيعيين فلم يجعلوا لهذه الكيفيات وجودا البتة ، بل جعلوا الأشكال التي يجعلونها للأجرام التي لا تتجزأ أسبابا لاختلاف ما يتأثر في الحواس باختلاف ترتيبها ووضعها . قالوا : ولهذا ما يكون الإنسان الواحد قد يحس لونا واحدا على لونين مختلفين : « 12 » بحسب وقوفين منه تختلف
--> ( 1 ) فتنزعه : فتنزعها د ، ك . ( 2 ) معها : معه ف ، م ( 3 ) وتأخذه : وتأخذها د ، م ؛ فيأخذه م ( 4 ) على : له . ( 5 ) الحاكم العقلي : العقلي د ( 6 ) وإلى هذا : ولهذا د . ( 7 ) الحاس : الحساس د ( 8 ) هو : ساقطة من ف . ( 9 ) يرتسم : ارتسم ك . ( 10 ) حسى : نفسي ك . ( 11 ) ديمقريطس : ديمقراطيس د ، ك ، ف . ( 12 ) مختلفين : ساقطة من ف - نسبتهما : نسبتها د ؛ نسبته ف .